موقع الرأي السوري - بمناسبة مرور أربعون يوماً على رحيل المرحوم محمد إبراهيم العلي ينشر موقع الرأي السوري هذه الرسالة الموجهة إلى ابنته رسالة من العميد الدكتور رزق الياس إلــى السيدة ريم ابنة الصديق العزيز المرحوم محمد إبراهيم العلي

x

ارسال إلى صديق

الشريط الإخباري
الإجراءات الواجب اتخاذها لتنفيذ واقعة بيع عقار وفق القانون الجديد   ::   لاجئون سوريون في الأردن يعيشون كابوس قطع المساعدات عنهم   ::   بالصور.. عمليات فتح الشوارع وترحيل الأنقاض وتأهيل المرافق الخدمية في درعا البلد   ::   فيروس كورونا يحصد أرواح أكثر من أربعة ملايين و642 ألف شخص حول العالم   ::   الحرارة غداً أدنى من معدلاتها وفرصة لهطل زخات من المطر على المناطق الساحلية   ::   ريال مدريد يفوز على سيلتا فيغو في الدوري الإسباني   ::   الصحوة!   ::   سمحت للمفتشين الدوليين الوصول إلى كاميرات المراقبة في مواقعها النووية … طهران: محادثاتنا مع وكالة الطاقة تقنية ولامكان للسياسة فيها   ::   شرق الفرات في خريف شبيه لنظيره عام 2019   ::   وزير الزراعة يبشر الفلاحين أسعار القمح للموسم القادم ستكون مجزية   ::   قراءة في حديث السيد الرئيس بشار الأسد إلى الحكومة الجديدة   ::   الرئيس الأسد يترأس اجتماعاً للوزارة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية: الأولوية للإنتاج وفرص العمل.. يجب أن تكون هناك شفافية مع المواطن.. دعم المواطن جزء من سياسة الدولة   ::   الرئيس الأسد يصدر مرسوماً بزيادة المعاشات التقاعدية للعسكريين والمدنيين بنسبة 40 بالمئة   ::   الرئيس الأسد يصدر مرسوماً بزيادة الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين المدنيين والعسكريين بنسبة 50 بالمئة   ::   تقرير إحصاء بسيط لـ "مسح الرأي العام في الشرق الأوسط (الزراعة والأمن الغذائي في سوريا 2020-2021)"   ::   الرئيس الأسد يعزي الرئيس بوتين بضحايا حادث تحطم طائرة الركاب المدنية   ::   الحرارة إلى انخفاض والجو صحو وحار بشكل عام   ::   مجلس الأمن يمدد (آلية إدخال مساعدات إنسانية) إلى سورية.. صباغ: الآلية مسيسة وفشلت في ضمان عدم وصول المساعدات إلى الإرهابيين   ::   لافرنتييف: الولايات المتحدة الأمريكية قد تنسحب من سورية بصورة مفاجئة   ::   تشييع جثمان أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة أحمد جبريل إلى مثواه الأخير   ::   كولومبيا تحرز المركز الثالث في كوبا أمريكا بعد فوزها على البيرو   ::   لأنها بلادي… الحكاية الثانية (الطريق إلى الجنوب)   ::   لنسف هدنة الـ٧٢ ساعة ومنع تكرارها بإيعاز من النظام التركي … إرهابيو إدلب يرفعون وتيرة التصعيد والجيش يرد بقوة   ::   الإفراج عن 23 موقوفاً ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء في دوما … جمران لـ«الوطن»: بناء سورية الحديثة يحتاج إلى تكاتف أبناء الوطن جميعاً لإعمار ما دمّره الإرهاب   ::   روسيا تسلّمت 20 طفلاً من عائلات داعش … الاحتلال الأميركي يواصل سرقة النفط السوري.. و«قسد» ترفض إدخال مساعدات روسية إلى الرقة!   ::   روسيا تدحض مزاعم أوكرانيا حول رفض مساعدة السفينة المنكوبة … بوتين يقر إستراتيجية الأمن القومي الجديدة للدولة الروسية   ::   التيار الوطني الحر يدعو الحريري إلى العودة لتأليف الحكومة   ::   الصين ترفض التدخل في شؤونها الداخلية ولن تسمح لأحد بالتقليل من قوتها   ::   المياه سلاح تحركه إسرائيل   ::   وزير الموارد المائية: أطمئن الفلاحين أن الوضع المائي جيد … رئيس الوزراء من اللاذقية: المباشرة بمشروع جر مياه سد 16 تشرين خلال أسبوع بعد أن تم حل مشاكل التمويل   ::   تراجع في إنتاج إسمنت طرطوس وزيادة في الازدحام على مراكز مؤسسة عمران!! … عمران: البدء في جلسات التحكيم في الخلافات مع شركة فرعون   ::   إيطاليا وإسبانيا تتأهلان بأرقام قياسية   ::   سورية وعصبة الأمم للدكتور بشار الجعفري   ::   عون خلال استقباله هنية: متمسكون بموقفنا الداعم ورفض التوطين.. اشتية: لجنة التحقيق بوفاة بنات تقوم بعملها بمهنية … الخارجية الفلسطينية: ما زالت القدس تدفع ثمن إخفاق المجتمع الدولي بتوفير الحماية لها   ::   قلب النتائج اختصاص فرنسي- ألماني … إنكلترا أكبر الخاسرين وفرنسا أكثر الغانمين   ::   التنمر يزداد في منصاتنا ويصل حدّ التجريح والإسفاف … وسائل التواصل تؤدي دوراً سلبياً في الإساءة للشخصيات العامة   ::   كل يومين يتم ضبط شركات تجارية تتعامل بغير الليرة السورية … القاضي المالي في دمشق لـ«الوطن»: انخفاض في دعاوى الحوالات غير المشروعة بعد رفع سعر الدولار إلى 2512 ليرة   ::   بشرى من وزير الكهرباء … الزامل لـ«الوطن»: تحسن في وضع الكهرباء خلال الساعات القادمة   ::   استقبل كبير مساعدي وزير الخارجية الإيراني ووفداً من المشاركين باجتماع المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب.. الرئيس الأسد: من دون الهوية والانتماء تصبح فكرة القومية عبارة عن إيديولوجيا فارغة من أي مضامين   ::  

وجهات نظر
أرشيف
أخبار إعادة الإعمار
تحقيقات صحفية
نشاطات الأحزاب
الصفحة الرئيسية  »  حديث الناس  » بمناسبة مرور أربعون يوماً على رحيل المرحوم محمد إبراهيم العلي ينشر موقع الرأي السوري هذه الرسالة الموجهة إلى ابنته رسالة من العميد الدكتور رزق الياس إلــى السيدة ريم ابنة الصديق العزيز المرحوم محمد إبراهيم العلي


بمناسبة مرور أربعون يوماً على رحيل المرحوم محمد إبراهيم العلي ينشر موقع الرأي السوري هذه الرسالة الموجهة إلى ابنته رسالة من العميد الدكتور رزق الياس إلــى السيدة ريم ابنة الصديق العزيز المرحوم محمد إبراهيم العلي

العميد الدكتور رزق الياس - 22/06/2021

بمناسبة مرور أربعون يوماً على رحيل المرحوم محمد إبراهيم العلي ينشر موقع الرأي السوري هذه الرسالة الموجهة إلى ابنته

رسالة من العميد الدكتور رزق الياس

إلــى

السيدة ريم ابنة الصديق العزيز المرحوم محمد إبراهيم العلي

 

لقد أخبرتيني في مطلع هذا الأسبوع عن رغبتك في إعداد فيلم قصير عن حياة والدك رحمه الله، لقد أثنيت على الفكرة ولكنني فوجئت بتصميمك على إنجاز هذا الفيلم ليعرض في ذكرى الأربعين. وأنا أرى من الصعوبة بمكان من حيث الوقت المتوفر إنجاز مثل هكذا فيلم يمكن بواسطته عرض المحطات الهامة التي مرّ بها والدك في حياته. لاسيما وأن الكتابة عن حياة والدك وما قام به من أعمال لا تعتبر كتابة عن سيرة حياة شخص عادي وإنما هي بمثابة تأريخ لمرحلة هامة من تاريخ سورية عمرها حوالي سبعون سنة منذ أربعينات القرن الماضي وحتى بداية الأزمة السورية في العام 2011.

إذ كان لوالدك المرحوم في هذه الفترة الزمنية مواقف نضالية ثورية ضد الظلم والإقطاع، ومع نضال الفلاحين والعمال حتى قيام الوحدة بين سورية ومصر عام 1958، وكان في طليعة المناضلين ضد الانفصال عام 1962 إلى درجة أنه حكم بالإعدام، وكان اليوم الذي تقرر فيه تنفيذ الحكم عليه بالإعدام (يوم 9 آذار 1963) سبباً في اتخاذ القرار بتنفيذ انقلاب عسكري ضد نظام الحكم في سورية في 8 آذار، أي قبل تنفيذ الحكم بيوم واحد، وقد أطلق رفاقه على هذا الانقلاب العسكري "ثورة الثامن من آذار" مع أن قيادة حزب البعث لم تكن بصورة هذا الانقلاب آنذاك ولا بأهدافه. وبعد خروج والدك من السجن تسلم منصب رئيس الحرس القومي وهو برتبة ملازم أول، فشكل هذا الحرس من شبيبة الثورة التي رفعت أهداف حزب البعث العربي الاشتراكي في الوحدة والحرية والاشتراكية وأوجد فرعاً في كل محافظة للحرس القومي، وكانت له الكلمة الأولى في السيطرة على مؤسسات الدولة وعلى النشاط السياسي والاجتماعي فيها. وقد تسلح الحرس القومي بنظرية الحزب التي صاغت المؤتمر القومي السادس باسم "بعض المنطلقات النظرية". وأصبح والدك يحاضر في أفرع الحزب، وفي دور المعلمين، وحتى في عدة جامعات بهذه النظرية، التي تجاوزت دستور الحزب الذي صيغ في عام 1947، والذي كان يأخذ بمفهوم الديمقراطية البرلمانية، لتأخذ النظرية الجديدة بمفهوم الديمقراطية الشعبية ومفهوم العلمانية، أي بتعبير آخر هو الأخذ بمفهوم الحزب الواحد ونظرية العلمانية وفق المبادئ الاشتراكية المعمول بها في دول الاتحاد السوفييتي. وهذا الموضوع كان له دور كبير في انقسام قيادة الحزب بين يمين ويسار، إلى درجة قال فيها أمين عام حزب البعث العربي الاشتراكي ميشيل عفلق في بداية الثورة "هذا الحزب ليس حزبي". واستمر الصراع داخل الحزب بين القيادة القومية والقيادة القطرية، وانضم والدك إلى حركة /23 شباط/ عام 1966 التي قامت بانقلاب عسكري ضد ما أسمته " القيادة اليمينية في الحزب". وكان لوالدك دورٌ مركزي في نجاح حركة /23 شباط/ سواء في السيطرة على اللواء /90/ مدرع في ثكنة الكسوة الواقعة في المدخل الجنوبي لمدينة دمشق، أو في السيطرة على القوات العسكرية في مدينة حلب وعلى مجريات الأمور في مدينة حلب. وكان والدك خلال تلك الفترة (1963-1965) مع طروحات القيادة اليسارية في الحزب التي نفذت قانون الإصلاح الزراعي، وقوانين تأميم الشركات الاقتصادية تحت شعار "الملكية العامة لوسائل الإنتاج" كما في الدول الاشتراكية، وعلى الرغم من أن تلك القرارات وجدت قبولاً شعبياً واسعاً آنذاك إلا أنها أدت إلى انخفاض الإنتاج الزراعي في سورية وإلى هروب رأس المال السوري إلى خارج سورية.

ومع أن والدك كان يعتبر من الضباط الوحدويين في سورية إلا أنه لم يستطع الوقوف ضد نهج القيادة القطرية التي لا تريد عودة الوحدة مع مصر إلا بشروط خاصة تمليها على الرئيس عبد الناصر، فعملت القيادة القطرية على تسريح جميع الضباط الذين أتهموا بأنهم يمينيون أو ناصريون يتطلعون إلى إعادة الوحدة بين سورية ومصر، الأمر الذي أضعف جاهزية الجيش العربي السوري لخوض الحرب المتوقعة مع إسرائيل.

لقد رفعت القيادة القطرية آنذاك شعار حرب التحرير الشعبية ودعمت حركة المقاومة الفلسطينية التي بدأت تنطلق بعملياتها من الأراضي السورية ضد إسرائيل، وعلى الرغم من التهديدات التي وجهتها إسرائيل إلى القيادة السورية لم تكن لدى القيادة قناعة بأن إسرائيل جادة في تنفيذ تلك التهديدات، وقد وجدت إسرائيل الفرصة مواتية لشن عدوان مبيت عام 1967 ضد مصر والأردن وسورية. وكان ما كان فيما سمي بنكسة حزيران عام 1967، حيث احتلت إسرائيل سيناء والضفة الغربية والجولان. وبعد بدء العدوان بعدة أشهر طلبت القيادة السورية من والدك تشكيل الجيش الشعبي من عناصر الاحتياط ليحمي جميع المواقع السورية الهامة خلف خط الجبهة. بينما أسندت القيادة لي مهمة قيادة كتيبة استطلاع الجيش (الكتيبة 102)، التي كان يقودها، باعتباري رئيس عملياته، وخاضت هذه الكتيبة حرب عام 1967، وكان لها شرف إيقاف العدو على خطوط محددة (خط وقف إطلاق النار) بعد انسحاب كافة وحدات الجيش من الجبهة.

لقد بدأ والدك بتشكيل الجيش الشعبي منذ عام 1967 وبقي قائداً له حتى تقاعد عام 2005، وكان لهذا الجيش الذي تشكل من عناصر الاحتياط بقوة تصل إلى ثلاثة أضعاف الجيش النظامي دورٌ كبير في حماية العمق السوري من أعمال العدو سواءً بتسرب مجموعاته بواسطة الحوامات أو باستهدافه المواقع الاقتصادية السورية الهامة من خلالها قصفها بالطيران. إذ من المعلوم أن القيادة السورية قررت شن حرب استنزاف ضد القوات الإسرائيلية التي احتلت الجولان بعد عدة أشهر من وقف إطلاق النار عام 1967.

ومن أجل اكتساب الخبرة في كيفية خوض هذه الحرب أرسلت القيادة القطرية والدك مع وزير الداخلية السوري آنذاك إلى الصين الشعبية. وبعد الاجتماع الأول مع "شو أون لاي" رئيس وزراء الصين آنذاك، قرر "شو أون لاي" أن يجتمع مع والدك اجتماعاً خاصاً آخر قال له فيه "إن الاتحاد السوفييتي أقرب لكم من الصين وأرى أن تعتمدوا عليه"، وإن إسرائيل لن تستطيع احتلال دمشق لأنها لا تريد الدخول في حرب استنزاف مع جيش شعبي كبير إذا شكلتم مثل هذا الجيش، وإذا ما شكلتم قوة خاصة من الشباب المؤهلين كوحدات خاصة ومظليين تستطيعون استعادة الجولان خلال يوم واحد طالما مساحتها صغيرة جداً (70كم طول و20كم عرض). ونحن نستطيع تزويدكم بأسلحة فردية. فشكره والدك على النصيحة والدعم. ومنذ ذلك الحين وجه والدك نظره نحو الاتحاد السوفييتي من أجل تقديم الدعم لسورية وللجيش الشعبي، واعتقد أنك تذكرين أن أكثر من مسؤول سوفييتي من السفير في دمشق إلى نواب وزير الدفاع وغيرهم كان والدك يستقبلهم على الغداء في بيتكم. وقد اعتبرت القيادة السوفيتية والدك الشخصية الوطنية السورية التي تأخذ برأيها إلى درجة أنها اختارت والدك لإصلاح البين بين أعضاء الحزب الشيوعي السوري عندما انشقت قيادته على نفسها، وقدمت إلى والدك وشاح السلام العالمي بين الشعوب.

ومن الأعمال البارزة التي قام بها والدك كقائد للجيش الشعبي خلال حرب الاستنزاف عام 1970 والتحضير لحرب تشرين التحريرية، تنفيذ إجراءات الوقاية لحماية المقاصد والأغراض الحيوية السورية من عمليات العدو المحتملة. فلولا قيامه بنقل صهاريج وبراميل النفط المخزنة في مصفاتي حمص وبانياس قبل نشوب حرب تشرين لأدى قصف الطيران الإسرائيلي لهذه الأهداف إلى تدمير البلدات والمدن المجاورة لهما، ولولا نقل الأخشاب والأشياء المكدسة في مرفأ طرطوس قبل بدء الحرب لأدى القصف الإسرائيلي للمرفأ إلى تدمير هائل في طرطوس والمنطقة. ولولا حماية الجسور المقامة على محور الطريق العام من اللاذقية إلى دمشق لما تمكن الدعم الروسي الذي كان ينزل في مرفأ اللاذقية حوالي ثلاثمائة دبابة من الوصول إلى الجبهة والدخول في المعركة على مداخل بلدة سعسع التي تبعد ثلاثين كيلومتر عن دمشق. ولولا فرق تحميل الذخيرة المخصصة من الجيش الشعبي لنقلها من مستودعات الجيش إلى الجبهة لما تمكنت قوات الجيش الموجودة على الجبهة من الاستمرار في صد قوات العدو التي قامت بالهجوم المعاكس، ولولا فرق شباب وشابات الفتوة لما أمكن توضيب الأكل وتحميله للقوات المقاتلة، ولولا  هؤلاء لما تمكنت مستشفيات الجيش من خدمة كافة الجنود المصابين في الحرب، ولما تمكنت أجهزة صيانة المطارات من إعادة الصيانة للمهابط خلال زمن قياسي بعد إصابتها من قبل الطيران المعادي. هذه الأحداث مجرد أمثلة من العديد من الأعمال المجيدة التي قام بها الجيش الشعبي الذي حمل روحية قائده المناضل محمد إبراهيم العلي.

وقد أثار والدك استغرابنا أنه في الوقت الذي توجه فيه العديد من القادة إلى استثمار نتائج حرب تشرين في تنفيذ مشاريع شخصية تؤدي إلى تحسين أحوالهم المادية، توجه والدك منذ عام 1976 إلى تأليف الروايات التاريخية الأدبية التي تحاكي نضال الفلاحين وبعض إنجازات ثورة الثامن من آذار كما في رواية المرابي، والطغيان، والتحول الكبير الذي يؤرخ منافع سد الفرات، حيث احتفل بإنجاز هذا السد في تلك الفترة، واستمر والدك في تأليف رواياته التاريخية حتى الأشهر الأخيرة من رحيله، وكان زملاؤه حين يناقشونه في أحداثها المعروفة لهم يصابون بالدهشة بدقة وتفاصيل الأحداث التي مازالت راسخة في ذاكرته العجيبة، إلى درجة كان فيها يورد بسهولة ومن دون عناء أسماء من كانوا حاضرون فيها حتى ولو وصل عددهم إلى أكثر من عشرين شخصاً.

أما الحدث الكبير الذي سجله المرحوم والدك في منتصف ثمانين القرن الماضي هو الإجراءات النوعية التي أخذها ضد محاولة انقلاب رفعت الأسد على أخيه السيد الرئيس حافظ الأسد، ففي اليوم الذي سبق محاولة الانقلاب ذهب والدك إلى جوبة البرغال وتكلم مع زعيم المرشديين بأن يقف إلى جانب الرئيس حافظ الأسد وليس إلى جانب أخيه رفعت على اعتبار أن معظم ضباط وجنود سرايا الدفاع من المرشديين، وقد أعطى زعيم المرشديين أوامره كما وعد والدك بذلك، وفشلت حركة الانقلاب التي كانت ستدخل سورية في المجهول.

وكان والدك قد حدثني أكثر من مرة في منتصف الثمانينات عن رؤيته عن مصير الاتحاد السوفيتي عندما أطلق "غورباتشوف" حركته الإصلاحية تحت اسم الـ"بيرسترويكا"، من أن هذه ليست سوى مؤامرة مفبركة لانهيار الاتحاد السوفييتي بعملية سلمية وليس بالحرب. وقال لي إنه أبدى وجهة نظره هذه لعدة شخصيات سياسية روسية، وقد تبين لاحقاً صحة رؤيته الثاقبة في تحليل الأحداث ذات الطابع الدولي.

وعلى خلفية وقف دعم الاتحاد السوفيتي لسورية ووقف تقديم التسليح لها في منتصف الثمانينات بعد إعلان الـ"بيرسترويكا"، ووقف العمل بالمعاهدة الموقعة مع سورية عام 1980 حول العمل لإقامة توازن استراتيجي مع إسرائيل كما ترغب سورية، كانت وجهة نظر والدك المرحوم بأن الطريق العسكري قد أغلق في وجه سورية لتحرير الجولان السوري المحتل، وإن سياسة سورية يجب أن تتجه إلى إعادة مصر، التي كانت قد وقعت معاهدة سلام منفردة مع إسرائيل، إلى الصف العربي كي يكون بالإمكان فتح مفاوضات سلام مع إسرائيل لإعادة الجولان المحتل. وأعتقد أن مثل هذا الرأي كان مطابقاً لرأي السيد الرئيس حافظ الأسد قبل أن تقدم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مبادرة السلام عام 1991 بانعقاد مؤتمر مدريد، والذي قبلت سورية حضوره بعد أن وقع وزير الخارجية الأمريكي "جيمس بيكر" وثيقة الضمانات بانسحاب إسرائيل من الجولان في غضون سنة من التفاوض.

لقد كان المرحوم والدك يحمل هماً وطنياً بإعادة الأراضي السورية المحتلة كي يعود الاستقرار والازدهار إلى سورية وقد سألني باعتباري عضواً في وفدنا المفاوض إلى مؤتمر مدريد للسلام فيما إذا كان هناك من أمل لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل تعيد الجولان إلى سورية كما تمت إعادة سيناء إلى مصر، وكنت أجيبه قائلاً لا أعتقد أن هناك أي أمل فيما إذا بقي اليمين الإسرائيلي الصهيوني في الحكم. والدليل على ذلك قيامهم باغتيال إسحق رابين لمجرد إعطائه وعداً بذلك. وقال لي لاحقاً في عام 2000 صدق حدسك وها هو "يهود باراك" رئيس الوزراء الإسرائيلي قد جبّن، ولم يقبل الذهاب إلى جنيف لتوقيع اتفاقية سلام مع الرئيس حافظ الأسد برعاية الرئيس الأمريكي "كلينتون".

إن رغبة والدك المرحوم بإعلاء كلمة حزب البعث العربي الاشتراكي وأخذ دوره في قيادة الدولة والمجتمع جعلته ينتقد قيادة الحزب على شاشة التلفزيون، الأمر الذي جعل القيادة تطالب بتجميد عضويته والتحقيق معه، ولكن السيد الرئيس بشار الأسد لم يوافق على هذا الإجراء وقال لهم "هل نسيتم تاريخه النضالي؟".

إن أعمال والدك الخيرة كثيرة ليس في المجال العسكري والسياسي وإنما الاجتماعي أيضاً، من بناء مدارس، وشق طريق، وإقامة دور عبادة إسلامية ومسيحية، وفض النزاعات التي تحصل بين العشائر والقبائل، فقد اتخذوه الحكم الوحيد بينهم، وكلمته هي القانون، ومن المعلوم كيف رسم على الأرض خط يمر برؤوس التلال في البادية السورية الممتدة من شرق مدينتي حمص وحماه وحتى نهر الفرات قائلاً شرق هذا الخط يكون لقبائل كذا وكذا، وغربه لقبائل كذا وكذا، ومازال هذا التحكيم العرفي معمولاً به منذ سبعينات القرن الماضي من دون أية مشاكل بينهم.

وفي عام 2005 لا أذكر التاريخ، قال لي والدك المرحوم، أثناء زيارته لي في مكتبي المجاور لبيتكم، إنه ناهز الخمسة والسبعين عاماً وخدماته في القوات المسلحة تجاوزت النصف قرن، ويشعر أن وجوده في العمل أصبح روتيناً، ولديه الرغبة أن يتفرغ لكتابة عدة روايات حقيقية عاشها في حياته، ما رأيك؟ فقلت له: يا أبا ندى كل حياتك كانت في خدمة الوطن ويحق لك أن تستريح، ومكتبي إلى جوار بيتك سيكون مكتبك أيضاً إذا ما قررت الاستقالة. وعلى الفور أخذ ورقة بيضاء وخط استقالته من العمل واتصل بالسيد أبو سليم رئيس مكتب السيد الرئيس الذي كان على معرفة جيدة به. وجاءت الاستقالة مع الموافقة من السيد الرئيس في اليوم نفسه، وهكذا بقيت أنا ووالدك المرحوم معاً منذ ذلك الحين إلى قبل عشرين يوماً من رحيله.

لقد وعدتك بأنني سألبي رغبتك في كتابة عدة صفحات عن حياة والدك المرحوم صديقي العزيز طوال حياتنا. وهذه الرسالة مساهمة متواضعة مني من أجل ذلك.

العميد الدكتور رزق الياس

17/5/2021

 

عدد المشاهدات [428]
ارسال لصديق

التعليقات

لايوجد تعليقات

اضافة تعليق

الاسم :
التعليق